مجمع البحوث الاسلامية

132

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ إبراهيم : 19 9 - إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ فاطر : 16 10 - أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ . فاطر : 27 يلاحظ أوّلا : أنّ ( جَدُّ رَبِّنا ) فسّر بملك ربّنا وسلطانه ، أمره وقدرته ، جلاله وعظمته ، نعمه ، غناه ، بلاءه ، صفاته ، فيضه ، حظّه من الملك والسّلطان والعزّة والعظمة . قال الزّمخشريّ : « هو استعارة من الجدّ الّذي هو الدّولة والبخت » . وحكى الفخر الرّازيّ قولين : العظمة والغنى ، ثمّ قال : « وعندي فيه قول ثالث ، وهو أنّ جدّ الإنسان أصله الّذي منه وجوده فجعل ( الجدّ ) مجازا عن الأصل ، أي تعالى أصل ربّنا » ووضّحه بأنّه واجب الوجود ، وهو فوق كلّ موجود . وقال سيّد قطب بعد ذكر بعض الوجوه : « فكلّها إشعاعات من اللّفظ تناسب المقام ، والمعنى الإجماليّ منها هو التّعبير عن الشّعور باستعلاء اللّه سبحانه ، وبعظمته وجلاله عن أن يتّخذ صاحبة وولدا » . وعندنا أنّ الأنسب بسياق الآية هو الجلال والعزّة والعظمة ونحوها ، دون المعاني الأخر ، وأبعدها ( الجدّ ) بمعنى أب الأب ، ثمّ الحظّ ، وإن أمكن إرجاعها إليه كما تقدّم في الأصول اللّغويّة . ثانيا : جاء ( جديد ) وصفا ل ( خلق ) في ( 6 ) آيات : ( 2 - 7 ) تبيينا لبعث الأموات ، والمراد به تجديد حياة الموتى وإعادتهم مرّة أخرى ، وهذا هو الرّكن الثّالث للإيمان بعد التّوحيد والرّسالة ، وكان المشركون العرب يستبعدوه وينكرونه أشدّ الإنكار ، وقد تكرّر انكارهم في الخمسة الأولى بلسان التّعجّب ، كأنّهم سمعوا أمرا محالا . وقد أجابهم اللّه وناقضهم بالخلق الأوّل في ( 7 ) : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي أنتم تعترفون بأنّ اللّه خلقكم ثمّ تنكرون خلقا جديدا وتستحيلونه ! ! ثمّ نبّه على أنّهم التبس عليهم الأمر فضلّوا عن الخلق الجديد ، ولم يؤمنوا به ، وقد احتجّ اللّه عليهم بالخلق الأوّل مرّات منها : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ الرّوم : 27 . ثالثا : جاء في ( 8 و 9 ) : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * والخلق الجديد فيهما هو خلق جماعة أخرى مكان الّذين يذهبهم دون إعادتهم ، فمغزى الآيتين عكس تلك الآيات الّتي أكّدت على قدرته على إعادتهم بعد موتهم ، فهما تؤكّدان على قدرته على إذهابهم وعلى خلق جديد مكانهم ، لأنّ من قدر على بناء الشّيء كان على هدمه وبناء شيء آخر مثله أقدر . رابعا : كلمة ( خلق ) في الآيتين بمعنى المخلوق ، أمّا في تلك الآيات فتحتمله ، ولا سيّما في ( 5 و 6 ) أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * أي مخلوقا جديدا أو هو مصدر مفعول لما يفهم من ( مبعوثون ) أي مخلوقون خلقا جديدا ، أمّا في خَلْقٍ جَدِيدٍ فكونه مصدرا أقرب ، وأقرب منه أن يقال : جاء فيها « خَلْقٍ جَدِيدٍ » صفة وموصوفة منكّرتين إيهاما وإعظاما بثلاثة صور ( في خَلْقٍ جَدِيدٍ ) و ( مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) و ( خَلْقاً جَدِيداً ) بسياق واحد ،